خبر عاجل

انتفاضة ربيع الأسرى

3-5-2012 12:40 AM
د. أيمن أبو ناهية

نحن نأكل ونشرب ونتبطر في بعض الأحيان على انقطاع الكهرباء لساعات قلائل أو نضجر لنقص الوقود أو الدقيق، وإخواننا الأسرى يخوضون في سجون الاحتلال ببطون خاوية وظلمة دامسة معركة الكرامة؛ من اجل من يا ترى؟! سؤال ربما يبدو للبعض ساذجا، لان الإجابة عليه ستكون أكثر منه سذاجة عند من لا يعرف هدف الأسرى، وهو طبعا من اجل تحريرنا وتحرير وطننا. لكن السؤال الأكثر وجوبا هو، أين هو التضامن الشعبي مع الأسرى، الذي لم يرقى إلى المستوى المطلوب والوجوب تجاه أسرانا الأبطال؟!

فالأسرى عازمون على مواصلة إضرابهم عن الطعام والشراب لأكثر من أسبوعين تضامنا مع إخوانهم المضربين منذ شهرين متتاليين حتى تتحقق مطالبهم متحدين إجرام مصلحة السجون التي تفرض عليهم مزيد من المعاناة كالعزل الانفرادي في الزنازين لكسر إضرابهم، وهيهات هيهات أن يُكسر إضرابهم هذه المرة، فقد أخذت قضية الأسرى من جديد شكلا آخر من التحدي والصمود والصبر والعزيمة والإسرار، ولكن وهذه المرة جاءت انتفاضة الأمعاء الخاوية بالجملة وليس بالمفرق، لترسم صورة المعاناة التي يعيشها الأسرى في سجون الاحتلال الظالمة، وتجسد أيضا صلابة معنويات الأسرى التي لا تهزها قسوة السجان ولا عصا الجلاد.

فقد جاءت انتفاضة الأسرى بزي الربيع العربي وبلون التضامن وبطعم ثورة التحرر، كي تطفو قضية الأسرى على السطح من جديد، بعد أن أصبحت مطموسة ومغيبة عن الوجود بفعل الاحتلال، الذي حاول التكتيم والتستر عليها عقود طويلة عن أعين القانون الإنساني الدولي عن انتهاك حقوق الإنسان والكرامة الآدمية لما تقوم به من أساليب عديدة في تعذيب الأسرى الفلسطينيين، حيث يحظر القانون الدولي الإنساني التعذيب وغيره من أشكال المعاملة السيئة في جميع الأوقات, ويقضي بمعاملة المحتجزين وفقاً لأحكام ومبادئ القانون الدولي الإنساني وغيره من المعايير الدولية. لكن (إسرائيل) الدولة المارقة على القانون الدولي هي الدولة الوحيدة في العالم التي تعتبر التعذيب للأسرى الفلسطينيين قانونيا، وقد تم صياغة قوانين التعذيب من قبل لجنة قضائية رسمية في المحكمة العليا وتمت المصادقة عليها من قبل لجنة حكومية، أكملتها الجنة البرلمانية بتعين وتكليف مراقب الدولة بالرقابة على تنفيذ هذه القواعد، وطُلِبَ من المحاكم المصادقة على طرق قانونية من أجل تأهيلها. إن الدولة التي تسمح لقوات أمنها بتعذيب من يتم التحقيق معهم، تنافي بصورة تامة القيم الأساسية للدولة الديمقراطية. وهذا إن دل على شي فإنما يدل على تكريس المفاهيم العنصرية الصهيونية التي لا تعتبر الأسرى الفلسطينيين جنود حرية ومقاومين شرعيين لتحرير أنفسهم وبلادهم.

فإصرار الدولة الاحتلال على عدم حل قضية الأسرى يعني أنها لم تتعلم من درس شاليط الذي انفرض أمر أسره فرض وليس شهوة وحبا في الأسر، بقدر ما هي الحاجة لتحريك قضية الأسرى التي -كما قلت- طمست عقود طويلة. لذا فالأمر لم يتوقف عند حل قضية الجندي شاليط، ثم تعود قضية الأسر والاعتقال من جديد، فمزيد من الاعتقالات ربما ينتج عنه اسر شاليط آخر أو ربما شاليط وأصدقائه. وهنا لابد من الأخذ بعين الاعتبار أن تكرار اسر الجنود الإسرائيليين مسألة واردة على أجندة الفصائل الفلسطينية طالما هناك احتلال وعدوان متواصل وحصار خانق وأسرى في السجون الإسرائيلية وجوع وفقر وبطالة وسوء الأحوال المعيشية لشعب قد يفقد جميع أسس ومقومات الحياة تحت مسمع ومرئي المجتمع الدولي الذي يتحمل هو الآخر مسؤولية استمرار صمته تجاه اعتقال آلاف الأسرى الفلسطينيين لعقود طويلة دون أن يحرك ساكناً. لذلك أرى خيارين لا ثالث لهما بالنسبة لحل قضية الأسرى وهما:

الخيار الأول خاص بدولة الاحتلال، صحيح أن دولة الاحتلال تعتبر نفسها دائماً فوق القانون الدولي ولم تجد من يُلجمها ويمارس ضغوط عليها لحل قضية الأسرى، على أنهم أسرى حرب وليسوا معتقلين أمنيين او جنائيين كما تصنفهم سلطات الاحتلال. فلا يوجد خيار أمامها إذا استمرت في الإصرار على عدم التجاوب للمنطق الإنساني بالإفراج عن الأسرى الفلسطينيين وما تقوم به من انتهاكاتها متواصلة بحقوق الأسرى سوى أن تبقى أمام العالم دولة محتلة متمردة على القانون الدولي ومتنصلة من المسؤوليات الملقاة عليها كالدولة محتلة.

أما الخيار الثاني فهو خاص بالفلسطينيين، فلا يجوز إبقاء قضية الأسرى خارج السياق القانوني والسياسي فهذا يعني المساس بوطنيتهم وبشرعية نضالهم ضد الاحتلال لذلك أرى ضرورة اللجوء إلى المرجعية الدولية والقانون الدولي الإنساني كمحتوى قانوني للأسرى. وبالتالي أمام الفلسطينيين خيارات يمكنهم استعمالها، إذا ما استمرت سلطات الاحتلال في عدم الإقرار بالحقوق الشرعية للأسرى الفلسطينيين، بفتح معركة قانونية وإنسانية على الصعيد الدولي كالتوجه إلى محكمة العدل الدولية بهدف الحصول على فتوى قانونية حول الوضع القانوني للأسرى الفلسطينيين وتحديد مضمون التزامات دولة الاحتلال القانونية تجاه المعتقلين الفلسطينيين. ومنها الضغط لعقد مؤتمر لدول الأطراف السامية المتعاقدة لاتفاقية جنيف الرابعة لبحث موضوع المعتقلين الفلسطينيين وحقوقهم وطبيعة الالتزامات القانونية الملقاة على عاتق دولة الاحتلال بشأنهم، وبالتالي وضعها أمام العدالة والإرادة الدولية، إيماناً ويقيناً بان العدالة الدولية مهما كانت منحازة لدولة الاحتلال فسوف تأخذ مجراها عاجلا أم أجلا.

3-5-2012 12:40 AM



التعليق
الاسم
 
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
 
المهنة
 
نص الرسالة
 
نص الرسالة