الخليل - المركز الفلسطيني للإعلام
أعوام من العزة والكبرياء يقضيها هناك خلف القضبان، يحكي قصة ألـم الاحتلال وقهره، ويسطّر في الوقت ذاته الأمل المنشود نحو الحرية والتحرر.. حياتـه يملؤها العطاء والشموخ وصلابة الإيمان التي قهرت غطرسة السجان الذي لم يستطع إدانته بكل الوسائل.. وبعد عشرات المحاكمات التي تخللها الحكم ببراءته لمرتين متتاليتين، عادت محكمة الاحتلال لتحاكمه بالسجن المؤبد دون أي دليل مثبت.
تلك هي خلاصة قصة الأسير البطل جهاد يوسف إسماعيل النجار، من مواليد مدينة "يطا" جنوب الخليل بالضفة الغربية المحتلة عام 1981.
الاعتقال والتحقيق
يصف المهندس عدنان النجار عملية اعتقال شقيقه جهاد بالقول: في 25 /11/2001 خرج جهاد من البيت كعادته إلى مكان عمله في مدينة الخليل، ولم يكن يعلم أن هناك ترتيبا مسبقا من قوات الاحتلال لاعتقاله، حيث نصب الاحتلال حاجزاً على مدخل البلدة من الجهة الجنوبية المحاذية لمخيم الفوار لاعتقاله.
وتابع: تم إيقاف المركبة العمومية التي كان يستقلها، وتم اعتقاله من بين الركاب دون سؤاله أية سؤال، ونقل فورا إلى مركز "عصيون" جنوب بيت لحم، ومن ثم نقل مباشرة إلى مركز التحقيق في "المسكوبية" بالقدس المحتلة، واخضع هنالك إلى تحقيق عسكري على أيدي ضباط "الشاباك" الصهيوني.
ويضيف عدنان: أمضى أخي جهاد ما يزيد عن الشهر والنصف في التحقيق والعزل الانفرادي والنوم على الأرض والشبح على الكرسي ويداه مقيدتان بالأغلال إلى الخلف، كل ذلك من أجل إرغامه للتوقيع على اعترافات أعدت مسبقا، لكنه رفض ونفى كل التهم الموجه إليه وظل صامداً.. إلى أن نقل لمعتقل نفحة الصحراوي، وبدأت معاناته مع القضاء الصهيوني الفاشي، الذي لا يحترم العدالة ولا يفهم الإنسانية.
150 محكمة عسكرية
عقدت الاحتلال للأسير جهاد النجار أكثر من 150 محكمة عسكرية، ولم تستطع تلك المحاكم - على كثرتها - أن تدينه أو أن تثبت التهم الموجهة إليه، حتى أن النيابة العامة والمتمثلة بالادعاء العام وقفت في وسط المحكمة، وقالت: "لا يوجد لدينا أدله أخرى، لكن المخابرات تريد أن يبقى هذا المتهم داخل السجن والى الأبد لخطورته على أمن الجمهور".
بدأت محاكم "الدرجة الأولى" كما يسميها الاحتلال بحق الأسير النجار، وسارت ردحا طويلا من الزمن لتنتهي بعد ذلك في محكمة عسكرية عقدت بتاريخ 24/3/2005 وتقر بالإجماع من قبل ثلاثة قضاة بتبرئة الأسير النجار براءة كاملة من ستة عشرة تهمة موجهة إليه من ضمنها فعاليات في الكتلة الإسلامية في بوليتكنك فلسطين، ونشاطات لصالح حركة "حماس"، وبراءته بالأغلبية من تهمة قتل مغتصب صهيوني نسبت إليه.
براءة ثانية
بعد ذلك رفضت النيابة العسكرية الصهيونية قرار المحكمة واستأنفت قرار البراءة، وطلبت تمديد الاعتقال مدة (24) ساعة، لإحضار بيانات جديدة، وانتهت المهلة دون تقديم أدلة جديدة، سوى إعادة تركيب التهم السابقة بنسق جديد وفبركتها وصياغتها بكلمات جديدة من قبل جهاز المخابرات، ليتم إدخال الملف في مرحلة جديدة من المحاكمات الطويلة بين التمديد والتأجيل.
خاض الأسير النجار رحلة جديدة مع المحاكم الصهيونية، والتي يطلق عليها الاحتلال محاكم "الدرجة الثانية"، وكان واضحا فيها ضعف النيابة العامة والادعاء العام، لعدم صحة الأدلة، وكان واضحا الفبركة الأمنية التي طغت على التهم، والتي جعلت من القضاة يسخروا أكثر من مرة، وهم يسمعون إلى التهم أثناء جلسات المحاكم المتتالية، فما كان من هيئة المحكمة العسكرية إلا أن أصدرت قرارا بتاريخ 28/12/2006 تم بموجبه تبرئة الأسير النجار مرة ثانية وبنفس صيغة الإجماع والأغلبية الواردة في المرة الأولى.
يقول شقيق الأسير النجار: بعد تلك البراءة "جن جنون" جهاز الأمن الداخلي الصهيوني، والادعاء العام، الذين رفضوا القرار واستأنفوا للمرة الثانية، وطلبوا تمديد الاعتقال لمدة (72) ساعة أخرى لتقديم بيانات جديدة.
مؤبـد بعد براءتين
تواصلت المحاكم العسكرية بحق الأسير النجار حتى تاريخ 04/12/2007، حيث أحضر إلى قاعة المحكمة العسكرية في "عوفر" ثلاثة قضاة جدد، وأصدروا قرارهم في قاعة المحكمة بتبرئة الأسير النجار من كل التهم المنسوبة إليه سوى تهمة قتل مغتصب صهيوني شرق يطا (اسمه يائير)، ليأخذ حكم المؤبد بعد حكمين بالبراءة.
وحول ذلك يعقب شقيق الأسير النجار قائلاً إن أحد القضاة الصهاينة أدانه والآخر لم يجد بينة لإدانته، وبالتالي لم يدينه، أما القاضي الثالث فقد كان مرغما على إدانته، ليس لوجود بينة تدينه بشكل قانوني، ولكن لأن القاضي يمثل الاستئناف، حسب ما أوضح محامي الأسير.
وأكد شقيق الأسير أن محامي شقيقه اعترض على قرار المحكمة واستأنف حكم المؤبد، ليتم بعد ما يزيد عن سنتين عقد جلسة لمحكمة استئناف أخرى بتاريخ 28/12/2011 يحضر فيه قاض واحد، ليقرأ في دقائق معدودة قرارهم برفض اعتراض المحامي على حكم المحكمة الأخيرة وتثبيت حكم المؤبد.
وما زال الأسير"جهاد النجار" يقبع حتى الآن داخل سجن "ايشل" في بئر السبع الصحراوي قسم 16 ، دون تهمة حقيقية، بالرغم من إدانته المفبركة.
شقيق الأسير النجار تابع قوله بنبرة حزينة: "نحن لا نريد أن نتوقف هنا، بل قررنا الذهاب إلى محكمة العدل العليا التابعة للاحتلال، بعد أن انتهينا من حقبة المحاكم العسكرية، وكلنا أمل ورجاء بالله العلي الكبير أن يثلج صدورنا بإبطال حكم المحكمة الأخيرة، وإرجاعه إلى حكم البراءة الذي صدر بحقه مرتين متتاليتين، وفي حال فشلنا لا قدر الله في تحقيق ما نصبوا إليه، نسال الله أن نكون قد ابرأنا ذمتنا في عمل كل ما نستطيع عمله للإفراج عن الأسير عبر المحاكم والقضاء".
"وفاء الأحرار"
تقول والدة الأسير النجار الحاجة فاطمة النجار (64 عاما)، وهي تمسك بصورة نجلها بين يديها ودموعها تنساب على وجنتيها: " كنت أتوقع أن يخرج ابني جهاد في صفقة وفاء الأحرار، فقـد كنا نعلم أن ابني كان ضمن القائمة التي قدمت للاحتلال من أجل التبادل، لكننا علمنا أن مفاوضات شاقة جرت حول اسم ابني ، وفي النهاية أصر الاحتلال على أن يبقى جهاد داخل السجن .."
وتضيف الحاجة فاطمة أنها وعلى الرغم من بقاء نجلها داخل الأسر إلا أنها مستبشرة بالفرج القريب بإذن الله، لأنها تثق بالله أولا وأخيراً، كما أنها تثق برجال القسام.
أما الحاج يوسف النجار والد الأسير جهاد (65 عاماً)، فبين أن عائلات الأسرى تشعر بقرب الفرج لأنهم يعتمدون على الله ثم على رجال "صدقوا ما عاهدوا الله عليه" في الإفراج عن أبنائهم، ويضيف: منذ أسر شاليط ومعادلة قوية تثبت نفسها في قلوبنا، بأن الاحتلال لا يفهم إلا هذه اللغة للإفراج عن الأسرى.
معركة الأمعاء الخاوية
وفي هذه المرحلة الحاسمة في صراع الأسرى مع ما يسمى بمصلحة السجون الصهيونية، يشارك الأسير جهاد النجار إخوانه الأسرى معركة الأمعاء الخاوية، كما يعتبر الاحتلال أن الأسير النجار أحد الأسرى المحرضين على الإضراب، لذلك عمدت إدارة السجون نقله أكثر من مرة، ففي نهاية شهر ابريل الماضي قامت إدارة سجن عسقلان بنقله إلى قسم (4) في سجن نفحة الصحراوي، وبتاريخ (3/5/2012) قامت بنقله إلى سجن ايشل في بئر السبع الصحراوي.
جدير بالذكر أن الأسير جهاد النجار - الذي تخرج من قسم الهندسة المعمارية بجامعة بوليتكنك فلسطين عام 2001 - من الأسرى الأبطال الحافظين لكتاب الله، والذين يشار إليهم بالبنان، حيث يصفه أقرانه الأسرى بأنه الخطيب المفوه ورجل المواقف الصعبة.