خبر عاجل

فلسفة الاستيطان "الإسرائيلي"

27-10-2009 11:23 PM
نبيل محمود السهلي
صحيفة البعث السورية
 

تركز الحديث خلال الأشهر القليلة الماضية حول قضية المستوطنات "الإسرائيلية" في الأراضي الفلسطينية وأهمية تفكيكها بكونها أحد رموز ومعالم الاحتلال، وفي ظل مطالبات إدارة باراك أوباما لتجميد الاستيطان "الإسرائيلي" في الضفة الغربية، ورفض حكومة نتنياهو ذلك، برزت ضرورة ملحة لتوضيح فكرة وفلسفة الاستيطان "الإسرائيلي" في فلسطين في سياقها التاريخي، حيث يعتبر الاستيطان "الإسرائيلي" الوجه الآخر لعملية الاحتلال والمكملة تهويد الأرض الفلسطينية وتفريغها من سكانها العرب، وترى الأدبيات الصهيونية في المستوطنات مرتكزاً أساسياً لاستراتيجية السيطرة الديمغرافية، والسيطرة على الأرض، ناهيك عن كونها الحزام الأمني والاقتصادي للداخل الصهيوني، وترمي تلك المستوطنات إلى توطين أكبر عدد من المهاجرين اليهود في الأراضي الفلسطينية للإخلال في الميزان الديمغرافي لصالح التهويد في نهاية المطاف، وقد تم إخضاع النشاط الاستيطاني "الإسرائيلي" لمنهاج تدريجي في عملية التوسع غير محدد برقعة واضحة دلل عليها بشكل جلي تصريح بن غوريون «حدود إسرائيل ستعينها الأجيال القادمة».

الاستيطان الصهيوني في فلسطين جذور الفكرة

تشير الدراسات التاريخية إلى أن فكرة الاستيطان في فلسطين، بدأت تلوح في الأفق، بعد ظهور حركة الإصلاح الديني على يد مارتن لوثر في أوروبا، إذ بدأ أصحاب المذهب البروتستانتي الجديد ترويج فكرة تقضي بأن اليهود ليسوا جزءاً من النسيج الحضاري الغربي، لهم ما لهم من الحقوق وعليهم ما عليهم من الواجبات، وإنما هم شعب الله المختار، وطنهم المقدس فلسطين، يجب أن يعودوا إليه، وكانت أولى الدعوات لتحقيق هذه الفكرة، ما قام به التاجر الدنماركي أوليغر بولي في عام 1695، والذي أعد خطة لتوطين اليهود في فلسطين، وقام بتسليمها إلى ملوك أوروبا في ذلك الوقت، وفي عام 1799 كان الامبراطور الفرنسي نابليون بونابرت أول زعيم دولة يقترح إنشاء دولة يهودية في فلسطين أثناء حملته الشهيرة على مصر وسورية، وفي القرن التاسع عشر، اشتدت حملة الدعوات للمشروع الاستيطاني اليهودي في فلسطين، وانطلقت هذه الدعوات من أوروبا مستغلة المناخ السياسي السائد حول الأطماع الاستعمارية الأوروبية في تقسيم ممتلكات الرجل المريض «الدولة العثمانية» والتي عرفت حينئذ بالمسألة الشرقية، وقد تولى أمر هذه الدعوات عدد من زعماء اليهود وغيرهم أمثال: اللورد شاتسبوري الذي دعا إلى حل المسألة الشرقية عن طريق استعمار اليهود فلسطين، بدعم من الدول العظمى ساعده في ذلك اللورد بالمرستون (1784-1856) الذي شغل عدة مناصب منها وزير خارجية بريطانيا، ثم رئيس مجلس وزرائها، حيث قام بتعيين أول قنصل بريطاني في القدس عام 1838 وتكليفه بمنح الحماية الرسمية لليهود في فلسطين، كما طلب من السفير البريطاني في القسطنطينية بالتدخل لدى السلطان العثماني للسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين.

 

الأرض كركيزة للاستيطان

تشير الموسوعة الفلسطينية إلى سعي الحركة الصهيونية بعد ظهورها كحركة سياسية عنصرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إلى السيطرة على الأراضي الفلسطينية، وكان من أبرز نشطائها لورنس أوليفانت 1820-1888 الذي كان عضواً في البرلمان الانكليزي، وعمل أيضاً في السلك الدبلوماسي الانكليزي، واعتقد بضرورة تخليص اليهود من الحضارة الغربية بتوطينهم في فلسطين، وذلك بإدخالهم كعنصر لإنقاذ الدولة العثمانية من مشاكلها الاقتصادية، لما يتمتع به اليهود من ذكاء في الأعمال التجارية ومقدرة على جمع الأموال، من أجل ذلك قام في عام 1880 بنشر كتاب بعنوان «أرض جلعاد»، اقترح فيه إنشاء مستوطنة يهودية شرقي الأردن شمال البحر الميت، لتكون تحت السيادة العثمانية بحماية بريطانية، وكذلك شجع استعمار اليهود في فلسطين والمناطق المجاورة عن طريق إقامة مستوطنات جديدة، بالإضافة إلى أوليفانت حاول العديد من زعماء اليهود في القرن التاسع عشر القيام بمشاريع لتوطين اليهود في فلسطين، ومن بين هؤلاء مونتفيوري (1784-1885) الذي حاول استئجار 200 قرية في الجليل لمدة 50 عاماً مقابل 10٪-20٪ من إنتاجها، إلا أن هذه المحاولة فشلت أمام رفض الحكم المصري لبلاد الشام آنذاك، ثم نجح في الحصول على موافقة السلطان العثماني بشراء عدد من قطع الأراضي بالقرب من القدس ويافا، وأسكن فيها مجموعة من العائلات اليهودية، إلا أن هذه الخطوة أخفقت أيضاً تحت تحفظ السلطات العثمانية لمشاريع الاستيطان في فلسطين، كما بذل وليم هشلر جهوداً في جمع تبرعات مادية وإرسالها إلى الجمعيات الصهيونية لتشجيع الاستيطان في فلسطين تحت الحماية البريطانية.

 

بداية النشاط الاستيطاني في فلسطين

قامت مجموعة من اليهود في عام 1878 بشراء 3375 دونماً من أراضي قرية ملبس، وتم تسجيلها باسم النمساوي سلومون، واستمرت المحاولات اليهودية للسيطرة على الأراضي الفلسطينية حتى عام 1881 الذي يعتبره المؤرخ اليهودي والتر لاكور بداية التاريخ الرسمي للاستيطان اليهودي في فلسطين بعد أن وصل حوالي3000 يهودي من أوروبا الشرقية، تمكنوا من إنشاء عدد من المستوطنات في الفترة من 1882-1884، وتوالت فيما بعد عمليات الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية بشتى الوسائل، منها الشراء أو الاستئجار لمدة طويلة، وقد لعبت المؤسسات اليهودية التي أنشئت لهذا الغرض ومن بينها: منظمة بيكا التي أسسها روتشيلد، والوكالة اليهودية التي انبثقت من المؤتمر الصهيوني العالمي الأول عام 1897، والصندوق القومي اليهودي «الكيرن كيمت»، وصندوق التأسيس اليهودي «الكيرن هايسود»، والشركة الانكليزية الفلسطينية، ونشطت هذه المؤسسات بعد الحرب العالمية الأولى، خصوصاً بعد تمكن المنظمة الصهيونية العالمية من استصدار وعد بلفور الشهير عام 1917 الذي يقضي بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، ثم وقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، حيث لعبت حكومة الانتداب دوراً كبيراً في تمكين اليهود من السيطرة على مساحات كبيرة من الأراضي الفلسطينية وذلك باتخاذها العديد من الإجراءات، منها فتح الأراضي الأميرية وجعلها أراضي ملكية، وسن قانون أملاك الغائبين، وتمكن اليهود بالاعتماد على تلك الإجراءات من استملاك أكثر من عشرين مليون دونم من أراضي الفلسطينيين بعد قيام "إسرائيل" في أيار من عام 1948، ومن الأهمية الإشارة إلى أن المستوطنات لم تظهر بشكل منتظم خلال القرن التاسع عشر إلا في عام 1878، عندما تمكنت مجموعة من يهود القدس من تأسيس مستوطنة بتاح تكفا، وفي عام 1882 تم إنشاء ثلاث مستوطنات، هي مستوطنة ريشون ليتسيون وزخرون يعقوب وروش يبنا، ثم مستوطنتا يسود همعليه وعفرون عام 1883، ومستوطنة جديرا عام 1884، وفي عام 1890 أقيمت مستوطنات رحوبوت ومشمار هيارون، وبعد انعقاد المؤتمر الصهيوني العالمي الثاني عام 1898 أقر قانون المنظمة الصهيونية العالمية التي أخذت على عاتقها كل الشؤون المتعلقة بالاستيطان بعد أن وصل عدد المستوطنات "الإسرائيلية" الزراعية إلى 22 مستوطنة، سيطرت على 200 ألف دونم ارتفعت إلى 418 ألف دونم بعد الحرب العالمية الأولى، بعد هذا التاريخ انطلقت مرحلة جديدة من مراحل الاستيطان اليهودي في فلسطين، إذ عملت المؤتمرات الصهيونية العالمية بدءاً من المؤتمر الأول على تنفيذ برامجها التي تمحورت حول برنامج المؤتمر الأول عام 1897 ويدعو هذا البرنامج إلى: العمل على استعمار فلسطين بواسطة العمال الزراعيين والصناعيين اليهود وفق أسس مناسبة، والعمل على تغذية وتقوية المشاعر اليهودية والوعي القومي اليهودي، واتخاذ الخطوات التمهيدية للحصول على الموافقة الضرورية لتحقيق غاية الصهيونية.

لقد كانت السيطرة على الأرض الفلسطينية جوهر الفلسفة التي انتهجتها الصهيونية العالمية منذ نشوء الفكرة الأولى لتوطين اليهود في فلسطين وتابعتها "إسرائيل" بعد قيامها حتى الآن، وقد رافقت عمليات الاستيلاء على الأراضي عملية تغيير ديموغرافي، ففي جميع حالات الاستيلاء كان يتم جلب أعداد من اليهود من مختلف أنحاء العالم، ليحلوا مكان السكان العرب الفلسطينيين، فقد تعرضت الأراضي الفلسطينية لخمس موجات متتالية من الهجرات اليهودية، وذلك في أعقاب الأزمات السياسية المتعاقبة التي حدثت منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى الحرب العالمية الثانية، وذلك في المناطق التي تواجد فيها اليهود.

خزان الهجرة اليهودية في خدمة الاستيطان

ثمة موجات للهجرة اليهودية ساعدت في تحقيق الهدف الديمغرافي للاستيطان الذي يعتبر الأساس للسياسة السكانية الصهيونية في فلسطين، وقد حصلت الموجة الأولى للهجرة اليهودية ما بين عامي 1882-1903، إذ هاجر نحو عشرة آلاف يهودي من روسيا في أعقاب حادثة اغتيال قيصر روسيا وما تبعها من عمليات اضطهاد لليهود هناك، وبين عامي 1904-1918 حدثت الموجة الثانية، وصل عدد المهاجرين إلى 85 ألف مهاجر، ثم حدثت الموجة الثالثة ما بين عامي 1919-1923 بعد حدوث الثورة البلشفية في روسيا، وبلغ عدد المهاجرين في هذه الموجة نحو 35 ألف مهاجر، وتمت الموجة الرابعة ما بين عامي 1924-1932، حيث هاجر نحو 62 ألف مهاجر بسبب قيام الولايات المتحدة الأمريكية بسن قوانين حدت من الهجرة إليها، أما الموجة الخامسة فكانت بين عامي 1933-1938 ، حيث بلغ عدد المهاجرين في هذه المرحلة حوالي 164000 مهاجر بسبب التشريد الذي حل بالمخيمات اليهودية في مناطق الاحتلال النازي، وإلى جانب هذه الموجات كانت هناك هجرات سرية قام بها اليهود الشرقيون (السفارديم) من جهات مختلفة من اليمن والحبشة وأفريقيا الشمالية وتركيا وإيران، وذلك في فترة الأربعينيات، وذلك بسبب قيام سلطات الانتداب البريطاني بفرض قيود على الهجرة اليهودية تقرباً للعرب للوقوف بجانبهم في الحرب العالمية الثانية، وقد بلغت حصيلة الهجرة اليهودية الى فلسطين حتى عام 1948 حوالي 650 ألف مهاجر يهودي، وبعد قيام "إسرائيل" قامت بتشجيع الهجرة اليهودية وذلك بسن العديد من القوانين مثل قانون العودة عام 1950، وقانون الجنسية "الإسرائيلي" عام 1952، فازداد عدد المهاجرين، حيث بلغ في الفترة من 1948-1967 (1.3) مليون مهاجر، ولم تتوقف الهجرة رغم بعض التراجعات بفعل تراجع عوامل الطرد والجذب إلى فلسطين المحتلة، والثابت أن السنوات الذهبية للهجرة كانت بعد عام 1948 وفي عقد التسعينيات من القرن العشرين، حيث شكلت هجرة اليهود من دول الاتحاد السوفييتي السابق النسبة الكبرى من بين مجموع المهاجرين اليهود، وبشكل عام ساهمت الهجرة بنحو 65 في المئة من إجمالي الزيادة السكانية لليهود في فلسطين خلال الفترة (1948-1960)، كذلك هي الحال بالنسبة للفترة (1990-2000)، بيد أن الهجرة تراجعت خلال الفترة (2000-2009) نظراً لأن القسم الأكبر من يهود العالم يتركزون في مناطق ودول غير طاردة مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وكندا، وإن حصلت بعض الهجرات من تلك الدول فلن يتعدى الرقم بضع مئات مقابل نحو 176 ألف مهاجر في بعض أعوام التسعينيات من القرن المنصرم.

"إسرائيل" ومركزية الاستيطان

أشرنا أن للاستيطان دوراً بارزاً في تحقيق المشروع الصهيوني في فلسطين، وقد تبنت الحركة الصهيونية فكرة الاستيطان وفلسفته التي جاءت من وراء البحار، حيث تم الإعلان عن قيام "إسرائيل" في أيار من عام 1948 على 77٪ من مساحة فلسطين التاريخية البالغة 27009 كيلومترات مربعة، وتمكنت "إسرائيل" من طرد معظم السكان الفلسطينيين بعد أن ارتكبت العديد من المذابح والمجازر، ودمرت أكثر من 400 قرية ومدينة فلسطينية، ومن المجازر المرتكبة بحق العزل الفلسطينيين مجزرة بلد الشيخ في قضاء مدينة حيفا، ومجزرة دير ياسين وكفر قاسم في قضاء مدينة القدس، وأصبح الفلسطينيون يعيشون مشردين لاجئين في البلاد العربية المجاورة وفي داخل فلسطين في الضفة والقطاع، وما زالوا إلى الآن رغم صدور القرار 194 وخمسين قراراً آخر يدعو إلى ضرورة عودتهم إلى أراضيهم بأسرع وقت ممكن، وفي المقابل فتحت أبواب الهجرة اليهودية على مصراعيها اليهود ليتدفق الكثير من من مختلف أنحاء العالم، واستمر هذا الوضع حتى حرب الخامس من حزيران عام 1967التي كان من أهم نتائجها استكمال سيطرة "إسرائيل" على الأراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع، وبذلك تكون فرصة جديدة سنحت ل"إسرائيل" لمتابعة مخططات الصهيونية لتهويد فلسطين عبر النشاط الاستيطاني، والتي بدأت في القرن التاسع عشر، ورغم تفكيك المستوطنات من قطاع غزة بسبب التكلفة العالية وكفاح أهل غزة الطويل، بيد أن النشاط الاستيطاني لم يتوقف في الضفة الغربية بما فيها مدينة القدس التي تواجه أكبر عملية استيطان "إسرائيلية" منذ عام 1967، وفي هذا السياق تشير الدراسات إلى أن النشاط الاستيطاني "الإسرائيلي" في الضفة الغربية أدى إلى بناء 151 مستوطنة "إسرائيلية" تضم أكثر من ثلاثمائة ألف مستوطن "إسرائيلي"، إضافة إلى 26 مستوطنة تلف القدس بطوقين من جميع الجهات، وفيها نحو 190 ألف مستوطن "إسرائيلي"، وهناك مخططات لفرض وقائع استيطانية "إسرائيلية" في الضفة الغربية وفي داخل الأحياء العربية من مدينة القدس حتى عام 2020.

27-10-2009 11:23 PM



التعليق
الاسم
 
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
 
المهنة
 
نص الرسالة
 
نص الرسالة